رويترز : رفض البشير قمع الإسلاميين وراء دعم الإمارات الانقلاب عليه

كشف تقرير لوكالة رويترز عن دور إماراتي في كواليس الإطاحة بالرئيس السوداني المعزول عمر البشير، بمساعدة رئيس جهاز المخابرات والأمن الوطني السوداني آنذاك صلاح قوش.

 

وجاء في التقرير أنه في ليلة العاشر من أبريل/نيسان الماضي، زار قوش الرئيس البشير في قصره لطمأنته بأن الاحتجاجات في محيط وزارة الدفاع تم احتواؤها وسحقُها. وذهب البشير إلى النوم، لكنه عندما استيقظ أدرك أن قوش قد خانه، وفوجئ بقوة من الجيش تحيط بالقصر ثم تعتقله.

 

وبعدها أبلغه ضباط من الجيش أن اللجنة الأمنية العليا المؤلفة من وزير الدفاع وقادة الجيش والمخابرات والشرطة، قررت عزله بعد أن خلصت إلى أنه فقد السيطرة على البلاد.

 

وبحسب التقرير، فإن توتر العلاقة بين البشير وأبو ظبي كان محركا رئيسيا داخل المخابرات السودانية للإطاحة به.

 

ويضيف التقرير "لقد كان الانقلاب السلس على شخص شهد ثورات ونجا من انقلابات وتجاوز عقوبات أمريكية، وأفلت من الاعتقال بأمر من المحكمة الجنائية الدولية أمرا مثيرا للاستغراب، لكن الإجابة قد تكمن في أنه رغم كل ذلك أخفق في قراءة المتغيرات بالشرق الأوسط والتعاطي معها وبدا أكثر انعزالية.. فسقط".

 

وقالت "رويترز" إن إحدى أبرز الجهات التي أدارت "الانقلاب" على "البشير" كانت الإمارات العربية المتحدة، وذلك بسبب إخلال الرئيس السوداني السابق باتفاق سابق معها باستبعاد الإسلاميين، الذين كانوا دوما أبرز شركائه في الحكم وهم من أوصلوه إلى السلطة بالأساس.

 

وألقى التقرير على الدور الكبير الذي لعبه رئيس الاستخبارات السودانية السابق "صلاح قوش" في العملية، وكيف تواصل مع أبوظبي، وعاد منها ليلتقي عددا من قيادات الجيش وزعماء من المعارضة السياسية داخل السجون السودانية وخارجها.

 

ونقلت "رويترز" عن 4 مصادر أحدهم حضر اجتماعا بين "قوش" و"البشير"، ليلة الحادي عشر من أبريل/نيسان الماضي، أن "قوش" أخبر رئيسه، أن معسكرا للاحتجاج خارج وزارة الدفاع القريبة سيتم احتواؤه أو سحقه، وطالبه بعدم القلق.

 

وأضاف أحد المصادر: "أمام هذه التطمينات، ذهب البشير إلى الفراش، وعندما استيقظ بعد 4 ساعات، أدرك أن قوش قد خانه.. لقد اختفى حراس القصر، وحل محلهم جنود نظاميون تابعون للجيش، وقد كان ذلك المشهد إيذانا بنهاية حقبة حكمه التي استمرت 30 عاما".

 

قمع الإسلاميين

 

وأشارت المصادر إلى أن العلاقة بين "البشير" وحكام الإمارات كانت مميزة، ووصلت إلى مرحلة متقدمة في 2017، لاسيما مع إرسال "البشير" آلاف الجنود السودانيين للقتال في اليمن، في الحرب التي أدراتها السعودية والإمارات بالوكالة مع إيران هناك.

 

وقال أحد المصادر إنه وخلال زيارة لـ"البشير" إلى أبوظبي في فبراير/شباط 2017، طلب منه ولي عهدها "محمد بن زايد" التعاون لقمع الإسلاميين في السودان، قائلا (بن زايد) إن هذا هو التعاون الذي يأمل بتدشينه مع "البشير" خلال المرحلة المقبلة.

 

ولفت التقرير إلى أن المهمة كانت شديدة الصعوبة أمام "البشير" في السودان، حال الموافقة على طلب "بن زايد"، فتأثير الإسلاميين هناك ظل راسخا أكثر منه في دول أخرى، أقربها مصر،  حيث استولى "البشير" على السلطة عام 1989 كرئيس للمجلس العسكري الإسلامي، وكان الإسلاميون يسيطرون على قطاعات بالجيش والمخابرات والوزارات الرئيسية.

 

ورغم ذلك، يقول التقرير نقلا عن مسؤول حكومي كبير (لم يسمه) قوله إن "البشير" توصل إلى تفاهم مع "بن زايد" بالعمل سريعا على إقصاء الإسلاميين في السودان، مقابل تقديم الإمارات دعما ماليا كبيرا إلى السودان.

 

وأشار التقرير إلى أنه بعد ذلك الاجتماع في أبوظبي، أرسلت الإمارات ما مجموعه 7.6 مليار دولار في شكل دعم للبنك المركزي السوداني، بالإضافة إلى استثمارات خاصة وعامة، والاستثمارات من خلال صندوق أبوظبي للتنمية.

 

وروى التقرير أن أحد أبرز مساعدي "البشير" الموثوق بهم، وهو "طه عثمان الحسين"، تولى تنسيق العلاقات بين "البشير" وحلفائه في الإمارات والسعودية، وفقا للاتفاق الجديد، لكن تنامي نفوذه بشكل متسارع أثار السخط داخل مكونات النظام في السودان، وكان لابد لـ"البشير" أن يتصرف، خاصة مع ظهور تقارير للمخابرات السودانية تشير إلى أن الرجل بات يتجسس علنا لصالح السعودية والإمارات، لدرجة أن الرياض قررت منحه الجنسية.

 

وعندما قرر "البشير" إقالة "الحسين" في يونيو/حزيران 2017، بدا للإمارات أن الرئيس السوداني السابق لا ينوي تنفيذ الاتفاق الخاص بقمع الإسلاميين، ومن يومها انتقل "الحسين" إلى الرياض ليعمل مستشارا للسعوديين والإماراتيين، وكان يتنقل بأريحية بينها وبين أبوظبي.

 

الأزمة الخليجية

 

وقالت "رويترز" إنه منذ صيف 2017، وتفجر الأزمة الخليجية، دخل "البشير" في مأزق صعب، حيث طلب منه الإماراتيون والسعوديون الانضواء معهم ضد قطر، بينما رفض حلفاء "البشير" الإسلاميين في السودان ذلك الأمر، وقالوا إن علاقات السودان مع قطر يجب ألا تتأثر.

 

وفي مارس/آذار 2018 ، أعلنت السودان وقطر عن خطط لإبرام 4 مليارات دولار لتطوير ميناء سواكن على البحر الأحمر قبالة ساحل السودان، وكان ذلك بمثابة الاستفزاز الأكبر للإماراتيين والسعوديين.

 

وخلصت "رويترز" إلى أن "البشير" اختار عدم رمي دعمه وراء الإمارات والسعودية في النزاع، كما اختار عدم تقليص تأثير الإسلاميين في حكومته.

 

ونقلت عن المسؤول الحكومي البارز قوله إن "البشير" كان خائفا من عزل الشخصيات الإسلامية القوية في البلاد.

 

من بين هؤلاء، "علي عثمان طه"، النائب الأول للرئيس السابق، وخليفته "بكري حسن صالح"، الذي شارك في الانقلاب الذي أوصل "البشير" إلى السلطة.

 

وبحلول أكتوبر/تشرين الأول 2018، كان السودان ينزلق إلى أزمة اقتصادية، مع نقص في المعروض من الخبز والوقود والعملات الصعبة.

 

وفي اجتماع لحزب المؤتمر الوطني مع "البشير"، سألوا الرئيس: لماذا لم تقدم الإمارات والسعودية مساعدات للسودان؟ فأجاب: "إن إخواننا يريدون مني أن أتخلص منكم أيها الإسلاميون".

 

وفي ديسمبر/كانون الأول 2018، أوقفت الإمارات إمدادات الوقود للسودان، على حد تعبير 3 مسؤولين سودانيين، مستاءين من أن "البشير" لم ينفذ الصفقة القاضية بقمع الإسلاميين.

 

وتتابع المصادر: "قررت الإمارات والسعودية عدم دعم البشير مالياً لأنه رفض التخلص من الإسلاميين ولن يستسلم للضغوط لدعم السعودية والإمارات ضد قطر".

 

وفي فبراير/شباط 2019، بدا "البشير" وكأنه يختم مصيره في اجتماع لمجلس الشورى السوداني، الذي يتكون من كبار قادة البلاد، بالتوازي مع تزايد الاحتجاجات في البلاد، حيث قال لهم: "نحن إسلاميون، ونفخر بكوننا إسلاميين".

وقال التقرير إن "البشير" سافر إلى قطر، في وقت لاحق من نفس الشهر، لإجراء محادثات مع الأمير، الشيخ "تميم بن حمد آل ثاني"، وهو يائس بشكل متزايد من أجل المال.

 

وفقًا لعضو الدائرة الداخلية لـ"البشير"، عرض الأمير على "البشير" شريان حياة بقيمة مليار دولار، لكن الأخير عاد فعليا إلى السودان خالي الوفاض.

 

وأشار المصدر إلى أن الأمير "تميم" تعرض لضغوط من "أطراف معينة" لتغيير رأيه، ولم يحدد من هم هؤلاء الأطراف.

 

 

تخطيط الانقلاب

 

"وراء الكواليس، كانت مؤامرة إزالة البشير تتشكل"، كما يقول التقرير.

وروى أحد زعماء المعارضة، الذي كان من بين السجناء السياسيين في سجن كوبر بالخرطوم، حيث يقبع "البشير" الآن، كيف ظهر "صلاح قوش" بشكل غير متوقع في السجن بالأيام الأولى من يناير/كانون الثاني 2019 والتقى 8 من الشخصيات المعارضة.

 

وأخبر "قوش" السجناء أنه جاء من أبوظبي، ومعه وعد من الإمارات بالوقود والمساعدات الاقتصادية الأخرى، وقال إنه يريد من السجناء أن يدعموا خطة عامة لنظام سياسي جديد في السودان.

 

وأكد مصدر مقرب من "قوش" وقوع تلك المحادثة.

 

وعاد "قوش" إلى السجن مجددا بعد 10 أيام، وهذه المرة زار 26 زنزانة يقبع بها سجناء سياسيون، ومنذ ذلك الحين تحسنت ظروف احتجازهم.

 

وقال أحد زعماء المعارضة، الذي أصبح الآن حرا إلى جانب الآخرين: "لقد تلقينا سجائر مجانية وجهاز تلفزيون وتبغ، ووجدنا أنه من الغريب أن يزور رئيس الاستخبارات سجناء المعارضة، لكن عندما حدث الانقلاب فهمت السبب".

 

ووفقاً لدبلوماسي غربي كبير في الخرطوم، وهو عضو في الحزب الحاكم ومقرب من "قوش"، فإن الإمارات اقترحت بالاتفاق مع "قوش"، في منتصف فبراير/شباط الماضي، خروجاً كريماً للرئيس، وبموجب الخطة كان من المفترض أن يبقى "البشير" في السلطة لفترة انتقالية، تليها إجراء انتخابات.

 

وأعلن "قوش"، في مؤتمر صحفي في 22 فبراير/شباط أن "البشير" سيتنحى عن زعامة حزب المؤتمر الوطني ولن يسعى لإعادة انتخابه في عام 2020.

ولكن في خطاب متلفز بعد ذلك بفترة قصيرة، لم يشر "البشير" إلى الاستقالة كزعيم للحزب، ووقال لأعضاء بحزب المؤتمر، في وقت لاحق في نفس اليوم، أن "قوش" بالغ في تصريحاته.

 

وبدأت عندها التحركات ضد "البشير" تتسارع.

وأشارت "رويترز" إلى أن الإمارات إجرت اتصالات مع أحزاب المعارضة السودانية والجماعات المسلحة التي شنت حرباً ضد "البشير" لمناقشة "الوضع السياسي في السودان بعد البشير" ، كما قال أحد زعماء المسلحين وشخص كان يعمل كحلقة وصل بين الجانبين.

 

عندما أقام المحتجون معسكرا خارج وزارة الدفاع، وليس بعيداً عن مقر إقامة "البشير"، في 6 أبريل/نيسان الماضي، لم يقم جهاز المخابرات والأمن الوطني، التابع لـ"قوش" بأي شيء لإيقافهم.

وقال "غمار حباني"، مسؤول كبير في حزب "المؤتمر الوطني": "عندها أدركنا أن الجيش سيطر على الأمر تواصل قوش مع كبار المسؤولين بما في ذلك وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش وقائد الشرطة، واتفقوا على أن الوقت قد حان لإنهاء حكم البشير".

 

وقال مصدر مقرب من "قوش" إن كل الأطراف السيادية داخل السودان أدركت أن "البشير قد انتهى"، وأكد متحدث باسم المجلس العسكري الانتقالي، الذي يحكم السودان الآن، أن "قوش" قام بدور قيادي.

وأشار التقرير إلى أن حليف "البشير" منذ زمن طويل، قائد الميليشيا الجنرال "محمد حمدان دقلو" ، كان آخر من انضم إلى المؤامرة.

 

يُعرف "دقلو" باسم "حميدتي"، وهو الاسم الذي أطلقته عليه جدته، ويقود "قوات الدعم السريع" السودانية، وهي وحدة شبه عسكرية مدججة بالسلاح ويبلغ عددها عشرات الآلاف وتسيطر على الخرطوم.

وتمت تسوية مصير "البشير"، وفي الساعات الأولى من يوم 11 أبريل/نيسان، تمت إقالته من السلطة.

 

وبعد بضعة أيام، عاد "طه عثمان الحسين"، إلى السودان كجزء من وفد سعودي وإماراتي، قابل حكام الجيش السودانيين الجدد.

وفي 21 أبريل/نيسان، أعلنت الإمارات والسعودية أنهما ستقدمان 3 مليارات دولار من المساعدات للسودان، وقال "حميدتي" في وقت لاحق إن القوات السودانية ستبقى في اليمن.

في نفس الوقت تقريباً، كانت جماعات المعارضة والمسلحين تلتقي بمسؤولين في الإمارات في أبوظبي.

 

وفي الأسابيع التي تلت إقالة "البشير"، ظهر حليفه القديم "حميدتي" كأقوى شخصية في السودان، كنائب لرئيس المجلس العسكري الانتقالي الذي يدير البلاد الآن، وفي المقابل استقال "قوش" من منصبه في المجلس العسكري الانتقالي في 13 أبريل/نيسان.

 

ولا يزال مكان "قوش" غير معروف لكن قوات الأمن منتشرة حول منزله في الخرطوم.

 

ويختتم تقرير "رويترز" بمشهد فض اعتصام محيط وزارة الدفاع في الخرطوم قائلا: "في 3 يونيو/حزيران الماضي، فضّ جنود حميدتي الاعتصام خارج وزارة الدفاع، وفتحوا النار على المتظاهرين، وقال مسعفون من المعارضة إن أكثر من 100 شخص قتلوا، فيما قدرت السلطات السودانية العدد بـ62".

 

رابط الموضوع: http://www.emasc-uae.com/news/view/15200