أحدث الإضافات

القمة العالمية وضرورات التسامح مع المواطن
هل تكون "خليجي 24" بداية انفراجة للأزمة الخليجية؟
الجيش الإماراتي يعلن استشهاد احد ضباطه في نجران بالسعودية
"الوجه الخفي للإمارات": كتاب فرنسي حول الاستراتيجيات الخارجية الخطيرة لأبوظبي
محمد بن زايد يستقبل السيسي ويؤكد: علاقات مصر والإمارات استراتيجية
عشرات المنظمات والمحامين يطالبون حكام الإمارات بالإفراج الفوري عن الدكتور محمد الركن
ضغوط بريطانية ودولية تجبر الإمارات على الإفراج عن سجين بريطاني
لغة تركية أقوى تجاه السعودية والإمارات
إيران: نسعى بكل طاقتنا لخلق أجواء للحوار بين دول المنطقة
بيع عشر مروحيات أمريكية للإمارات ب830 مليون دولار
رغم دعايات التسامح.. هيومن رايتس: الإمارات لم تثبت أنها متسامحة مع المعتقلين
قطر: نعد لتقرير جديد عن الانتهاكات الإماراتية لقرارات “العدل الدولية” حول الحصار
وزير النقل اليمني يهاجم الإمارات ويؤكد أن شرعية هادي خط أحمر
السعودية والإمارات والبحرين تتراجع عن المقاطعة وتقرر المشاركة بـ"خليجي24" في قطر
واشنطن: لدينا خلاف تكتيكي مع الإمارات بشأن إيران

كيف انتهى المطاف بالسعودية في هذا المأزق؟

عزام التـميمي

تاريخ النشر :2019-09-17

 

تبدو المملكة العربية السعودية اليوم في مأزق تاريخي وغير مسبوق، وقد أحاط بها المعادون لها من كل جانب، بينما يتربص بها حلفاؤها من الانتهازيين، وهؤلاء لن يكفوا عن استغلالها، رغم ادعاء صداقتها وطلب ودها، حتى آخر قطرة نفط أو حتى آخر قطرة دم إن لزم الأمر. ولربما لم يمر على المملكة يوم من قبل بدت فيها ثروتها الطائلة عديمة الفائدة.


ها هو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يخاطب أصدقاءه السعوديين بلغة المقاول لا بلغة زعيم أكبر وأقوى دولة في العالم قائلاً لهم كما فعل من قبل مراراً وتكراراً "إذا كنتم ترغبون في أن نوفر لكم الحماية ونرد عنكم العدوان فعليكم أن تدفعوا تكلفة ذلك، وأن تدفعوا بسخاء." وذلك مع أن المرء بإمكانه أن يستنتج من تصريحه الأخير أنه لا يبغي الدخول في حرب مع إيران التي يعتقد جازماً أنها لا مفر آتية إليه لتجلس إلى طاولة المفاوضات، وهو المآل الذي ظل يفضله على سواه ويمني نفسه به.


في خضم الأحداث الأخيرة، يبدو محتملاً اليوم أكثر من أي وقت مضى أن ولي العهد محمد بن سلمان، لئن قُدر له أن يتوج يوماً ملكاً، سيكون آخر ملوك السلالة السعودية. من ذا الذي يستبشر بذلك ويكاد يطير فرحاً به؟


لا، لا تتعجلوا الإجابة.


لا الإيرانيون ولا القطريون هم المعنيون، بل من يبدو في الظاهر أقرب حلفائه في المنطقة.


نعم، إنهم الإماراتيون، وبالذات ولي عهد أبوظبي والحاكم الفعلي لدولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ محمد بن زايد لا غير.


لقد تضررت صورة المملكة وتشوهت سمعتها وفقدت مكانتها كدولة تتصدر للدفاع عن قضايا الأمة، وما ذلك إلا بفضل الجهود التي بذلها محمد بن زايد لتدميرها، والذي لم تقتصر دسائسه على توريط المملكة في التحول إلى رأس حربة في الحملة التي تُشن ضد تطلعات الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج وضد نضالها في سبيل الحرية والكرامة والديمقراطية، فيما بات يعرف بالثورة المضادة، بل ظل يهمس بلا ملل أو كلل في أذني محمد بن سلمان، الشاب الأرعن المتطلع للسلطة والنفوذ بأي ثمن، ويمنيه بأنه إن أراد أن يتوج ملكاً فما عليه إلا أن يسمع له ويطيع. ولطالما أفضت نصائح محمد بن زايد وتوصياته إلى كوارث تتوالى على المملكة الواحدة تلو الأخرى، والأغلب أنه إنما يفعل ذلك عن علم وقصد. ولا أدل على ذلك من الصراع في اليمن والذي بات جرحاً غائراً في خاصرة جزيرة العرب. لقد حول الإماراتيون الصراع إلى حرب لاستنزاف المملكة بينما اغتنموا فيه فرصة تاريخية لدولتهم التي ما فتئت تتصرف كما لو كانت قوة إقليمية عظمى. فبينما تنزف السعودية مالاً ودماً، انطلقت الإمارات في حملة لتفتيت اليمن من جديد وتحويله إلى كيانين أو أكثر بينما تفرض هيمنتها على موانئه الإستراتيجية على امتداد ساحل البحر الأحمر وعلى الجزر التي تقع على مدخل باب المندب.


يُعتقد على نطاق واسع بأن فكرة شن الحرب على اليمن نشأت أصلاً من لدن محمد بن زايد، وكانت الخطة تقضي بأن يتم استخدام الحوثيين الموالين لإيران، والذين كانوا محصورين في محافظة صعدة المحاذية للحدود الجنوبية للمملكة شمال اليمن، كأداة لتقويض نفوذ التجمع اليمني للإصلاح، المنبثق فكراً وتنظيماً عن جماعة الإخوان المسلمين، والذي كان يتجه بوضوح نحو الفوز بالسلطة عبر صناديق الاقتراع فيما لو تركت الديمقراطية اليمنية تمضي قدماً إلى أن تؤتي أكلها. إلا أن الدائرة دارت على البغاة، وانقلب السحر على الساحر، حينما أدرك التجمع اليمني للإصلاح ما كان يُنصب له من فخاخ، فنأى بنفسه عن مواجهة مباشرة مع الحوثيين الذين كانوا حينها في تحالف عسكري مع فلول القوات المسلحة التي كانت تأتمر بأمر الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، والذي كان قد رسم خطة ضرب الإصلاح بالحوثيين بالتواطؤ مع كل من الإماراتيين والسعوديين.


لم يواجه الحوثيون عقبات ذات بال في اجتياحهم لليمن، بل وجدوا الطرق أمامهم مفتوحة، إلى أن بسطوا نفوذهم على معظم أرجاء البلاد. بالطبع كان صناع القرار في المملكة العربية السعودية وفي دولة الإمارات العربية المتحدة يعلمون يقيناً أن الحوثيين يوالون إيران ويعملون بالوكالة عنها، ولكنهم افترضوا أنهم أشد ذكاء من الإيرانيين ومن اليمنيين إذ توهموا أن بإمكانهم توريط الحوثيين والإصلاح، وكلاهما عدو لدود لهم، بالانخراط في حرب مدمرة تقضي عليهما الاثنين معاً لصالح إعادة تنصيب نظام الطاغية علي عبدالله صالح، الحليف القديم لكل من السعودية والإمارات.


لا يوجد في حرب اليمن فائزون، ربما سوى محمد بن زايد نفسه. فقد تحقق له ما أراد من توريط السعودية في تمزيق اليمن وتقسيمه وتدمير بنيته التحتية والعودة بشعبه فعلاً إلى العصر الحجري. فالطائرات المقاتلة السعودية لا تتوقف عن شن الغارات في الليل وفي النهار فاتكة بالأبرياء العزل، حتى أنها لم تذر بيتاً في اليمن إلا وتركت فيه أيتاماً وأرامل، ولم تترك أسرة إلا مزقتها. وبينما تتوالى التنديدات من كل مكان، ويتزايد الإلحاح الدولي بضرورة إنهاء الحرب، لا يبدو أن السعوديين يجدون مخرجاً سهلاً من هذا المستنقع.

 

من المتفهم في هذه الأثناء أن يبذل الإيرانيون كل جهد ممكن لتكريس تدخلهم في اليمن، فهم من جهة يسعون إلى مساندة حليفهم وحمايته من الأخطار المحدقة به، ومن جهة أخرى يعتبر الإيرانيون هذا الصراع هدية السماء إليهم إذ أنه يوفر لهم الفرصة لتحقيق طموحهم بتوسيع رقعة نفوذهم في الوطن العربي، وكما أعلن ذات مرة بعض المتحمسين لإيران احتفاء بانتصاراتها، "ها هي دولة الفرس اليوم تحتل أربعة بلدان عربية: اليمن والعراق وسوريا ولبنان"، وما كان ذلك ليتحقق لها لولا ما أصيبت به قيادة المملكة العربية السعودية من انعدام في الرؤية ومن ضحالة في الحكمة، أو ما وصفه قيادي إسلامي كبير ذات يوم بـ "العمى السياسي".


ولكن بينما يتظاهر السعوديون وحلفاؤهم الإماراتيون بمحاربة إيران والجماعات الموالية لها بحجج طائفية تجدهم يشنون حرباً شعواء ضد أكبر وأهم الجماعات السنية وأكثرها شعبية في العالم العربي، جماعات مثل الإخوان المسلمين وتفرعاتها – بما في ذلك حركة المقاومة الإسلامية حماس في فلسطين، وهي الجماعات التي كان بالإمكان لو تم احتضانها وتبنيها بدلاً من مقاتلتها وتصنيفها على قائمة الإرهاب الاستفادة منها في تخفيف حدة النفوذ الإيراني وتقليص تمدده في المنطقة.


ويُعتقد أيضاً بأن قرار ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الدخول في قطيعة تامة مع دولة خليجية عضو ومؤسس في مجلس التعاون الخليجي، هي دولة قطر، إنما جاء بتحريض من ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، الأمر الذي تمخض عنه بدء عملية تفكيك وإبطال المظلة الإقليمية الوحيدة الناجحة نسبياً في العالم العربي. وفعلاً، فرضت السعودية ومعها تحالف يشمل كلاً من الإمارات والبحرين ومصر، حصاراً برياً وجوياً وبحرياً على قطر بدءاً من الخامس من يونيو / حزيران 2017، نفس يوم ذكرى هزيمة العرب المخزية أمام الكيان الصهيوني حينما فرطوا قبل خمسين عاماً بالقدس وباقي فلسطين وبسيناء والجولان.


اتضح بعد ذلك بقليل أن الحصار الذي فرضه هؤلاء إنما جاء بعد تخليهم عن خطة كانوا قد أبرموها لغزو قطر وإسقاط النظام الحاكم فيها. وما حال بينهم وبين ذلك إلا عدم رضى الولايات المتحدة عن الخطة ومسارعة دول إقليمية نافذة مثل تركيا وإيران لنصرة قطر وإعلان التضامن معها والمشاركة في إبطال مفعول الحصار المفروض عليها.


كان المبرر الأول للعدوان على قطر هو الزعم بأن لها ارتباطات بإيران تضر بمصالح دول الخليج، وذلك على الرغم من أن الإمارات هي الدولة الخليجية التي لديها أوثق العلاقات وأكبر المصالح التجارية مع إيران. والمفارقة العجيبة هي أن علاقات قطر مع إيران إنما تعززت وتعضدت منذ ذلك اليوم الذي فُرض فيه الحصار السعودي الإماراتي عليها. وكما حصل في حالة الجماعات الإسلامية السنية التي ألجأها الحظر السعودي والإماراتي إلى التوجه نحو تعزيز ارتباطاتها بإيران، كذلك فعلت قطر مضطرة لا مختارة. ثم توالت على مدى الأسابيع والشهور التالية قوائم التهم الموجهة إلى قطر والمطالب التعجيزية التي كشفت عن مدى سفه وحمق ونزق صانع القرار في الرياض.


منذ ذلك الوقت، لم تلبث، بسبب هذا الحمق وذلك السفه والنزق، تتعمق الورطة السعودية ساعة بعد ساعة. والآن يبدو أن العراق قد قفز هو الآخر إلى ساحة الملعب.

 

فبحسب معلومات حصرية تضمنها تقرير لموقع ميدل إيست آي، فإن الهجمات التي شلت قطاع النفط السعودي مؤخراً، وأجبرت السعودية على تقليص إنتاجها من النفط الخام إلى النصف، قامت بها طائرات مسيرة إيرانية انطلقت من قواعد الحشد الشعبي جنوب العراق. ونقل الموقع عن مسؤول استخباراتي عراقي رفيع المستوى قوله إن الهجمات التي شنت على أبقيق وخريص، وهما من المرافق النفطية الهامة التابعة لشركة أرامكو في المملكة العربية السعودية، إنما جاءت رداً على هجمات بطائرات مسيرة إسرائيلية على قواعد وقوافل تابعة للحشد الشعبي في شهر أغسطس/آب، تم تنسيقها وتمويلها آنذاك من قبل السعوديين.

 

ونقل موقع ميدل إيست آي عن ذلك المسؤول قوله: "جاء الهجوم الأخير لسببين. أما الأول فهو أنه يعتبر بمثابة رسالة أخرى من إيران إلى الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها بأنه طالما استمر الحصار المفروض على إيران فإن أحداً لن ينعم بالاستقرار في المنطقة. أما السبب الثاني، وهو الأكثر مباشرة، فيعتبر بمثابة انتقام إيراني رداً على الهجمات الإسرائيلية الأخيرة باستخدام طائرات مسيرة انطلقت من مناطق داخل سوريا تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية ضد قواعد الحشد الموالية لإيران".


وهنا قد يسأل سائل لماذا يا ترى تحتاج المملكة العربية السعودية لأن تمول وتشارك في تنسيق هجمات إسرائيلية ضد أهداف في أي مكان داخل الوطن العربي، ولماذا داخل العراق؟ هل كانت تلك محاولة لكسب ود بنجامين نتنياهو أملاً في كسب تأييد سيد البيت الأبيض دونالد ترامب؟ لئن كان ذلك هو الهدف، فلا يوجد ما يشير إلى أن شيئاً منه قد تحقق.


هل في ذلك ما يدل على انعدام الرؤية؟ أو انعدام الحكمة؟ أو العيش في حالة من التيه والضلال المبين؟


نعم، كل ذلك مجتمعاً، بل وربما أكثر منه.


حمل الموضوع كملف PDF طباعة الموضوع

مواضيع ذات صلة

إيران: نسعى بكل طاقتنا لخلق أجواء للحوار بين دول المنطقة

انسحاب أمريكا يربك أقاليم عديدة

إيران تصف العلاقة مع الإمارات بالـ"جيدة جداً" وتطالب الأسطول الأمريكي بمغادرة الخليج

لنا كلمة

القمة العالمية وضرورات التسامح مع المواطن

تقيّم الدولة النسخة الثانية من "القمة العالمية للتسامح" في دبي بين 13و14 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، ومن المفارقات أن دعوة التسامح العالمي وتقديم الدولة لنفسها كعاصمة للتسامح في وقت لا تتسامح مع أبسط الانتقادات من مواطنيها. ...

اقرأ المزيد
القائمة البريدية ليصلك كل جديد من موقع إيماسك ..